123

تاريخ: ثقافة الاستهلاك

في معظم التاريخ، امتلكت الغالبية العظمى من سكان الأرض، بشكل أو بآخر، لا شيىء

الملابس التي أخذوها، وبعض الأوعية، وقدر الطبخ والمقلاة، وربما مقشة، وإذا سارت الأمور على ما يرام، قليل من الأدوات الزراعية

ظلت الأمم والشعوب فقراء باستمرار، لم يزدد قط الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم من سنة لأخرى

كان العالم شاقًا في عام 1800 كما كان في بداية الزمان. مع ذلك، ابتداءً من بدايات القرن 18، في المدن الواقعة شمال غرب أوروبا، حدثت ظاهرة لافتة للنظر

بدأت تتوسع الاقتصادات وتزداد الأجور، ووجدت العائلات التي لم تملك مالاً فقط غير ما يحتاجونه من أجل البقاء أن باستطاعتهم التسوق وشراء الكماليات الصغيرة

مشط، مرآة، طقم ملابس داخلية احتياطي، وسادة، بعض الأحذية الثخينة أو منشفة، خلق إنفاقهم دورة اقتصادية قوية

كلما أنفقوا نمت الأعمال وزادت الأجور، بحلول منتصف القرن ال18، أدرك المراقبون أنهم كانوا يعيشون فترة تغيير تاريخي

والتي قد وصفها المؤرخون منذ ذلك الحين بثورة المستهلك الأولى في العالم، شهدت بريطانيا أكثر التغييرات: ظهرت صناعات جديدة وضخمة لتلبية احتياجات

الطلب الكبير على السلع التي كانت محصورة على الأغنياء جدًا وحدهم، في المدن الإنجليزية، تستطيع شراء أثاث من تشيب وديل وهابلوايت وشيراتون، وفخار من

ودجوود وداربي، وأدوات المائدة من سميثري بشيفيلد، وقبعات وأحذية فساتين مميزة في المجلات الأكثر مبيعًا مثل جاليري فاشون وليديز مجازين

يتم تغيير أشكال الملابس والشعر التي لم تتغير من قبل لعقود الآن كل عام، غالبًا في اتجاهات متكلفة وغير عملية للغاية

في بدايات 1770، كان هناك حركة جنونية لتزيين الشعر المستعار طويلًا بحيث لا يمكن الوصول إلى قممه إلا بالوقوف على كرسي

كان هذا طريف لرسامي الكاريكاتير، لذا كان إبداع المستهلكين كثيرًا وقوي لدرجة أن المتزمت د.جونسن ريلي تساءل عما إذا كان سيتم قريباً شنق السجناء بطريقة

جديدة. عندما رأت الكنيسة المسيحية الأمر لم تستحسنه. في أقصى وأدنى إنجلترا، ألقى رجال الدين خطبًا قوية ضد المادية الجديدة وأطلقوا عليها هباءً

والذي كان خطيئة. يجب أن يبقى الأبناء والبنات بعيدًا عن المحلات، لن ينظر الإله نظرة رحمة لإولئك الذين يبلون اهتمامًا أكبر للديكور المنزلي من حالتهم الروحية

لكن ظهرت الآن ثروة فكرية غيرت بسرعة مفهوم دور الهباء في الاقتصاد. في 1723، نشر طبيب في لندن يدعى برنارد مانديفل ورقة دعاية اقتصادية بعنوان

"حكاية النحل" والتي اقتراح فيها أنه خلافًا لقرون من التفكير الديني والأخلاقي ما أثرى البلاد وجعلها بالتالي آمنة ومستقيمة وكريمة وحيوية وقوية كان نشاطًا

ثانويًا جدًا وغير رفيع ومهين على ما يبدو: التسوق من أجل المتعة، كان استهلاكًا لما أطلق عليه مانديفل ملابس رخيصة: قبعات وأغطية وقفازات وصحون زبدة

سلطانيات الحساء وأبواق الأحذية ومشابك الشعر كانت محركًا للرخاء، وسمحت للحكومة بممارسة ما تعرفه فقط الكنيسة: كيفية الوعظ نظريًا، وتشكل فرقًا

حقيقيًا لحياة الكثير من الضعفاء والفقراء. الطريقة الوحيدة لجني ثروة، كما جادل مانديفيل، كانت بضمان ارتفاع الطلب على الأشياء السخيفة وغير الضرورية

لا يحتاج أي شخص بالطبع حقائب مطرزة وشباشب مبطنة بالحرير أو مثلجات، لكنها كانت نعمة أن الموضة استطاعت أن تدفع لأنهم يريدونهم وبناءً على طلب

مثل هذه التفاهات، يمكن تأسيس ورش عمل وتدريب الصبية وتمويل المستشفيات. صدم مانديفل جمهوره بقسوة الاختيار الذي وضعه أمامهم:

يمكن أن تكون أمة إما عالية الفكر وسامية روحيًا ومصقلة فكريًا لكنها فقيرة للغاية، وإما عبدة للترف والاستهلاك الفارغ لكن غنية جدًا. أطروحة مانديفل

الكئيبة استمرت في إقناع جميع الاقتصاديين الناطقين باللغة الإنجليزية والمفكرين السياسيين العظماء تقريبًا في القرن 18بذلك

ومع ذلك، كانوا بعضًا من حالات الخروج العرضية من المعتقد الاقتصادي الجديد. كانت واحدة من أكثر الأصوات حيوية وحماسة أعظم فلاسفة سويسرا

جان جاك روسو الذي صُدم بتأثير ثورة الاستهلاك على الأخلاق والشعور العام في مسقط رأسه جنيف، لذا نادى بالعودة إلى حياة أكثر بساطة وقدمًا

مثل النوع الذي قد عاشه في قرى جبال الألب أو قرأ عنه في روايات المسافرين من القبائل الأصلية لشمال أمريكا. في الزوايا النائية من أبنزل أو غابات ولاية

ميسوري الشاسعة، لم يكن هناك لحسن الحظ أي اهتمام بالموضة أو محاولات لتمديد الشعر

اقتراح روسو إغلاق حدود جنيف وفرض ضرائب تعوق شراء المتاع الفخم، فيعاد توجيه نشاط الناس إلى القيم غير المادية. نظر إلى الوراء بإعجاب لروح سبارتا التقشفية

والزوجية، ومع ذلك، حتى إذا لم يتفق روسو مع مانديفل، لم يحاول إنكار الفرضية الأساسية وراء تحليله. يبدو حقا أن الاختيار بين

الاستهلاك المتفسخ والثروة من جهة وضبط النفس الفاضل والفقر من جهة أخرى. كان روسو ببساطة يفضل بشكل غير إعتيادي الفضيلة عن الثراء

لقد استمرت ثوابت هذه المناظرة في السيطرة على التفكير الاقتصادي منذ ذلك الحين، نعيد مقابلتهم في الحجج الإيديولوجية بين الرأسماليين والشيوعيين

ونصراء السوق الحر وعلماء البيئة، لكن بالنسبة لأغلبنا، لم تعد المناظرة وثيقة الصلة بالموضوع، نحن نتقبل ببساطة أننا سنعيش في اقتصادات استهلاكية

مع بعض الآثار الجانبية المؤسفة لهم: الإعلانات القوية والمواد الغذائية غير الصحية والمنتجات المنفصلة عن أي تقييم معقول لاحتياجاتنا

كل هذا مقابل النمو الاقتصادي والعمالة العالية. لقد فضلنا الثراء على الفضيلة. قبول هذا الانقسام المحمل بالمفارقة هو ما يدعم نهج العديد من فناني البوب

في منتصف القرن العشرين بأمريكا. على سبيل المثال، كلاس اولدنبرج اكتسب سمعة طيبة في التعامل مع السلع الاستهلاكية الحديثة، حيث ارتبط الكثير منها بالأغذية

وإعادة إنتاجها على نطاق واسع عادة في الأماكن الخارجية في فينيل البوليستر النشط في ساحات المدينة حيث كان قد يتوقع المرء وجود تماثيل تشريفًا للقادة

السياسيين أو القديسين المتدينين، يرى الفرد الآن في الخارج الهامبرغر أو كعكة جبن عملاقة أوبطاطا مقلية بالكاتشب أو ربما أكثر أعمال أولدنبرج شهرة:

مخروط الآيس كريم من الفولاذ المقاوم للصدأ مقلوب يبلغ ارتفاعه 12 مترًا. وجهت نسخ أولدنبرج الكبيرة من الأشياء الصغيرة انتباهنا بشكل هزلي إلى

اعتماد الاقتصادات الحديثة الغريب على الاستهلاك الشامل لبعض المنتجات التي لا تكاد تذكر على الصعيد الإنساني

لكن حجم أشياء أولدنبرج كان، بشكل سطحي، فقط سخيفًا لأنها في الواقع تعكس بدقة أهميتها الفعلية في مصائرنا الاقتصادية الجماعية

ومع ذلك، كما بدا تسليم أولدنبرج، كان من الغريب العيش في حضارة أُسست لأجل الكعك، معجون الطماطم المحلاة، وكائنات قاعية يلمح إليها بمظهر فارغ للعديد

من الهامبرغر العملاق والنقانق المقلية والبيتزا. السؤال الوحيد الذي نادرا ما قد يتم طرحه هو عما إذا كان هناك طريقة لتخفيف الاختيار المثبط للعزيمة، للاعتماد

على أفضل جوانب الاستهلاكية من جهة والعقلية السامية من جهة أخرى، دون معاناة أسوأ جوانبهم: الإنحطاط الأخلاقي والفقر المتأصل. هل من الممكن

أن يتطور المجتمع الذي يسمح للمستهلكين بالإنفاق وبالتالي يوفر فرص العمل والرفاهية

من نوع موجه نحو شيىء آخر غير التفاهات والأشياء غير الضرورية؟ هل من الممكن أن نتسوق لشراء شيىء آخر غير التفاهات؟

بعبارة أخرى، هل يمكننا أن نكون أثرياء بدرجة من الفضيلة؟ هذه الإمكانية التي نجدها في تلميحات المثيرة للاهتمام في عمل آدم سميث

كاقتصادي في القرن ال18، كثيرًا ما يشار إليه كمدافع صريح لجميع جوانب الاستهلاك، لكن في الحقيقة أحد أكثر المحللين دقة وخبرة

في كتابه ثراء الأمم الذي نشر في 1776، يبدو آدم سميث راغبًا في التنازل عن نقاط في جوانب جدال مانديفل الرئيسية

تساعد المجتمعات الاستهلاكية الفقراء بتوفير فرص عمل بناءً على إرضاء ما نحن عليه بدلاً من مشتريات دون المستوى المطلوب. كان سميث مستعدًا

مثل الاقتصاديين الآخرين للسخرية من تفاهة بعض خيارات المستهلك والإعجاب بعواقبهم

جميع تلك المندايل الدانتيل المطرزة ومَساعِط المجوهرات والمعابد المصغرة صنعت من قشدة الحلوى. اعترف بأنهم كانوا مستهترين لكنهم شجعوا التجارة

وخلقوا فرص عمل وأنتجوا ثروة هائلة وبالتالي يمكن الدفاع بحزم عن هذه النتيجة وحدها، ومع ذلك كان لدى سميث بعض الآمال الفاتنة للمستقبل، وأشار إلى أن

الاستهلاك لم يكن دومًا يشمل تداول الأشياء التافهة. لقد نَبِه لزيادة تداول كتاب في أدنبره وفهم مدى يمكن أن يصبح التعليم العالي في السوق

وأدرك كم الثروة المتراكمة جراء بناء مدينة أدنبره الجديدة الجميلة النبيلة. فهم أن لدى البشر احتياجات أعلى بكثير تتطلب الكثير من الجهد والذكاء والعمل

لتلبيتها، لكنهم يظنون أنهم خارج مؤسسة رأسمالية كما يقنعهم الواقعيون مثل بيرنارد مانديفل، ومن بينهم الحاجة إلى التعليم وفهم الذات والمدن الرائعة

ولمكافأة الحياة الاجتماعية. أول أهداف الرأسمالية في رأي آدم سميث هو تحقيق السعادة بكل تعقيداتها النفسية وليست فقط المادية

الرأسمالية في عصرنا ما زالت لم تصل بالكامل لحل الخيارات الخطيرة التي أحاط بها برنارد مانديفل وجان جاك روسو، لكن الأمل المصيري في المستقبل

هو أننا قد لا نحتاج إلى الأبد أن نجني المال من شهوات المستهلكين المستغلة أو التافهة أو عديمة الفائدة، وأننا قد نحقق أيضًا أرباحًا هائلة من مساعدة الناس

كمستهلكين ومنتجين في جوانب حياتهم المهمة والطموحة حقًا. يتوقف إصلاح الرأسمالية على مهمة غريبة ولكنها مصيرية: نوع جديد من الاستهلاكية

ركز مفهوم الاقتصاد على خدمات البيع والشراء، والبضائع ركزت على احتياجاتنا الأكبر