134

ظلال أسلاف منسيّة | الكون : عوالم محتملة

لنفترض جدلاً أننا لسنا أكثر من مجرد مجموع الجينات المُوَرِّثَة

وهذا ليس افتراضاً سيئاً كما قد يبدوا للوهلة الأولى

هناك ممرات بشريط الDNA الخاص بنا

يُشبه كل جزء صغير من تلك الممرات أسطورة أو بطولة كالتى ذُكرت في أياً من القصص الملحمية التى قد سبق كتابتها

تؤدى الغزالة الأم تلك القفزة المعروفة ب stotting "سلوكًا لذوات الأربع ، حيث تنطلق في الهواء ، وترفع جميع الأقدام الأربعة عن الأرض في وقت واحد"

بفعل ذلك , تتعمد الغزالة وضع حياتها في خطر وذلك لإنذار القطيع ولتكسب بعض الوقت لهم

فتتمكن ذريتها وبقية القطيع من الهرب

إن لم يكن ذلك الفعل بطولى فما غيره قد يكون !

رغم ذلك , هذا التصرف الشجاع مُضمَّن بالفعل بجينات فصيلة غزال طومسون

فهل يعنى تضمينه في الجينات أن التصرف ليس بالشجاعة الكافية ؟

لقد خاطرت الغزالة الأم بحياتها لإنقاذ عشيرتها وهذا هو المحور الهام

اصطفاء الأقارب" آلية تطورية تحابي السلوك الإيثاري للكائن الحي تجاه أقاربه"

وهي شائعة في ممالك الكائنات الحية حتى عندنا نحن البشر

لا زلت مُرتاباً حيال ذلك ؟

فلتنضم إلىّ إذن في تجربة التفكير التالية

تخيل محاولة أن تنام في سكينة وسلام بالليل بينما أنت على علم بأن أولادك يتضورون جوعاً أو مشرَّدين أو يعانون بشدة من مرضٍ ما

على نحو يكاد يشملنا جميعاً , هذا التخيل بالنسبة إلينا شئ غير وارد لا يُمكن تصوره مُطلقاً

ولكن في الحقيقة , يموت ما يبلُغ 16ألف طفل يومياً نتيجة جوع -من المفترض أن يسهُل دفعه- أو إهمال أو مرض

ويستمر معدل الوفيات هذا بينما نحن نشاهد هذا العرض وبينما نغُطّ في النوم جيداً لا يؤرقنا شئ

فهؤلاء الأطفال يقطنون بعيداً ..

هم لَيْسُوا على علاقة أو قرابة مباشرة معنا

والآن أخبرنى إن كنت لا تزال مشككاً بحقيقة اصطفاء القرابة

نحن على استعداد للتضحية بحياتنا لحماية من يحملون معلوماتنا الوراثية

ولكننا نمضي ولا نلقي بالاً لمعاناة غيرهم ممن لا يحملونها

مفهوم "اصطفاء القرابة" بإمكانه أن يُلهمنا للتضحية من أجل إنقاذ أخٍ لنا

ولكنه أيضاً مفهوم تم استغلاله من قِبَل الديماغوجي "هو الزعيم الذي يكتسب شعبية في الديمقراطية من خلال استغلال المشاعر "

تجربة تفكير أُخرى :

تخيل أنك بصدد تمهيد أول طريق لكوكب اُكتشف حديثاً

اختبرت مختلف التقنيات لتتيقن من كون هذا العالم الجديد سيدعم التنوع المُذهل لأشكال الحياة المتعددة

تريد أن تُنشئ تواصل ولكن ليس تواصل مجرد مُفرغ مع نسخة ذلك العالم من العقارب أو أفاعي الكوبرا أو سمك القرش الأبيض

أنت تبغي إيجاد قالباً حيوياً يٌوفر تواصل وتجاوب ودّي مصحوب بتعاطف وإدراك

قِردة المكّاك هم أفراد -لما يُمكن اعتباره- أكثر الفصائل الحساسة العطوفة على كوكب الأرض

وقد ثَبُتَ ذلك عن طريق سلسة من التجارب المُروِّعة التى تم إجرائها في ستينيات القرن الماضي

15 قرد من هذا النوع اقتضت التجارب أن لا يتم إطعامهم إلا بحالة إبدائهم الإستعداد لسحب سلسلة معدنية وصعق قردة أخرين لا توجد قرابة بينهم

ويتم ذلك في وجود مرآه تٌظهر الآلام المُبرحة ومعاناة القردة المُعرَّضين للتعذيب

وإذا رفضت القردة ذلك الشرط بتعذيب غيرها , يتم تركهم ليموتوا جوعاً

وغالباً ما ترفض القردة وتنأى-بعد تلقينهم كيفية تأدية التعذيب- عن سحب هذه السلاسل

في التجربة الواحدة , قليل فقط من يُقدِمون على فعل ذلك " أي التعذيب"

بينما أكثر من الثلثين يٌفضِّل الجوع على أن يفعلها

أحد القردة فضَّل المُضيّ بلا طعام لمدة اسبوعين على أن يؤذى رفقائه

وما تمكّن حقاً من الضرب على الأوتار بأعماقي

هو أن القردة الذين تعرضوا للصعق بتجارب سابقة كانوا أقل استعداداً ليفعلوا المثل بغيرهم

بم يكن لحالة القرابة الإجتماعية أو نوع الجنس إلا تأثيراً ضئيلاً على قرار القردة من الممانعة والنفور من إيذاء الآخرين

هذه التجارب تتيح لنا إلقاء نظرة خاطفة على الكائنات غير البشرية لنتأمل هذه الرغبة المقدسة المتمثلة في الإستعداد لتقديم التضحيات

تضحيات لأجل إنقاذ الآخرين حتى وإن لم يكونوا من الأقرباء ...

غريزة التضحية بالنفس

والمُعتقد بالسيادة والتميز الجَماعى لفئة عن غيرها بمنطق : نحن مقابل الآخرون