31

شرح أركان الرواقيّة الثلاثة

الرواقيّة كنظام فلسفي ، تنقسم لثلاث أركان

أخلاق , منطق , طبيعة

يرتّب بعض الباحثون تلك المحاور الرواقيّة الثلاثة إلى شكل البيضة,

حيث يمثّل المح بالطبيعة , الزلال يمثل الأخلاق , أما القشرة فتمثل المنطق

وفقًا لهؤلاء الباحثين , فإن الطبيعة هي نواة الرواقيّة ، حيث بجهلنا لطبيعة عمل الكون , يصعب تحديد الأخلاق

في مقابل سيولة الأخلاق , تمثل قشرة البيضة صلابة المنطق

بناءًا على البيضة الرواقيّة , سأقدّم لكم أركان الرواقيّة الثلاثة

"أركان الرواقيّة الثلاثة"

قبل أن أشرُع في تفسير كل ركن من أركان الفلسفة الرواقيّة , بدءّا بالقشرة وحتى المُحّ ,

أريد التنويه إلى أن تلك الأركان مترابطة ببعضها البعض

وبفقدان أحدها ,سينهار النظام

لنبحر في الموضوع

1- المنطق

ربما نعتبر أن تفكيرنا العقلاني تجاه السبب و النتيجة أمر مسلّم به

لكن في الماضي ,لم يفكّر الناس دائمًا بتلك الطريقة

وللأمانة , لا يزال العديد من الناس في الوقت الحالي يميلون لخوض جدالاتٍ منطقيّة في حين أنهم مدفوعون بالكامل من قِبَل عواطفهم

المنطق هو الوجود

الرواقيّون الحكماء يجيدون خوض الجدالات الفلسفيّة

ديوجين , أحد المصادر التي وصلتنا عن المنطق الرواقيّ يقول في الاقتباس التالي :

"هذا هو حال الرواقيين في المسائل المنطقيّة ,

إنهم يضمنون أن الشخص الحكيم دائمًا ما يحسِن الجدال المنطقيّ ,

في كل أنواع الجدال الفلسفي

في ما يخص كلٍ من الشؤون الطبيعية أو الأخلاقية "

يمكننا القول بأن المنطق لا يمثّل فقط القشرة الصلبة التي تحمي الأخلاق و الطبيعة معًا ,

لكنه يمثّل أيضًا الوجود الرّاسخ المتين للفكر و الذي يجب السيطرة عليه لكي يتم ربطه بالركنين الآخرين من الفلسفة الرواقيّة

المنطق الرواقي يرتكز على قواعد أشبه بالقواعد اللغوية , مثل الافتراضات التي لا تمثّل الصح ولا الخطأ

على سبيل المثال , لو كنت تشاهد هذا الفيديو خلال النهار , فلتلقِ نظرة من النافذة

على الأرجح ستجد ضوء النهار يملأ المكان ،

لو كان الوقت نهارًا فإن ذلك الافتراض صحيحٌ بطبيعة الحال ,

يمكن أن تفترض الافتراض التالي : خارج النافذة سأرى ضوء

لكن لو كان الوقت منتصف الليل , فإن ذلك افتراضٌ خاطئ

لتفسير الأمر , يمكننا إضافة بعض التعقيدات لجدالنا ثم نفترض الآتي :

"لو كان الوقت نهارًا سنرى الضوء"

وفقًا للرواقيّة , يحكم الكون قوىً عاقلة يسمونها "لوجوس" logos

و من هنا استخدمت كلمة منطق logic للدلالة على مبدأ الوجود

2- الأخلاق

ما هو التصرّف المناسب وما هو التصرّف الغير مناسب؟

لشرح هذا الأمر , سنعرض يدُ ترسم

يزعم الرواقيّون , أننا بمجرّد تحكّمنا في وجود العقل , فإننا سنتمكّن عندها من تحديد أخلاقنا

لقد ميزوا الفضيلة , و التي تؤدّي دومًا للسعادة ,

عن الرّذيلة , و التي تؤدي دومًا للشقاء

قسّم الرواقيّون الفضيلة لأربعة أقسام فرعيّة :

الاعتدال , العدالة , الشجاعة ,الحكمة

وبنفس الطريقة قسّموا الرّذيلة إلى : الظلم, الجبن , الإسراف , الحمق

بين الفضيلة و الرّذيلة , ثمّة منطقة رماديّة واسعة

مؤلّفة من أمور ليست سيّئة بالضرورة و لا جيّدة بالضرورة

يسميها الرواقيّون الأمور الحياديّة

إبدائك لحسن الخُلُق من عدمه حيال تلك الأمور الحياديّة , يتوقّف على حالتك ,

ومقدرتك على التفكير بمنطقيّة , مما يساعدك على أن تقرر طريقة تصرفك حينها

بكلماتٍ أخرى ، لا تعتبر الأمور الحياديّة محض شر ولا تؤدّي للسعادة

بل يتوقف تصنيفها على طريقتك لاستخدامها

كيف تستخدم تلك الأمور إذًا ؟

وِفقًا لزينون من السيتيوم مؤسس الفلسفة الرواقيّة ,

الهدف من الحياة هو أن تنساب مع تيار الطبيعة كما قال في الاقتباس التالي:

"كل الأشياء هي جزء من كل متكامل يسمّى الطبيعة ,

نعتبر حياة المرء جيّدة في حالة كونها متناغمة مع الطبيعة" نهاية الاقتباس

إنّ الفضيلة بطبيعة الحال, كل ما هو متناغم مع الطبيعة ,

في حين أن الرّذيلة ، هي كل ما ينافي الطبيعة

أما عن الأمور الحياديّة , ميّز الرواقيّون ما بين الحياديّات المستحبّة و الحياديّات المكروهة

من أمثلة الحياديّات المحببة : القوّة , الثروة , المتعة , السمعة الطيبة

عادةً ما تكون تلك المميزات إيجابية , لكن من الممكن ألّا تجلب السعادة

أمثلة الحياديّات المكروهة : المرض , الضّعف , القبح , السمعة السيّئة

عادةً ما تكون تلك الأمور سيّئة لكن ,ليس من الضروري أن تجلب الشّقاء

مجددًا , طريقة تعاطيك مع تلك الأمور هي من تحدد كون حياتك سعيدة أم تعيسة

يجب أن أعترف بوجود الكثير من الآراء بشأن مسألة الأخلاق في الفلسفة الرّواقيّة , لكن تلك هي الأساسيّات

3- الطبيعة

لكي تعيش متناغمًا مع الطبيعة , يجب أن تفهمها

مصطلح الفيزياء قد يعني في الرواقيّة الطبيعة

لأننا لا يمكننا مقارنتها بالميتافيزيقية الحديثة

اختصارًا , الفيزياء الرواقيّة تعني فهم الكون

مثل الأخلاق , الطبيعة هي منظومة واسعة من الأفكار و المفاهيم ، لذا سأتناول المبادئ الأساسيّة

اعتقد الرواقيّون بوجود كينونة إلهيّة تسمّى لوجوس وهي تشمل القوة العاقلة

الوجود من وجهة نظرهم يتألّف من مادّة و pneuma -روح-

تمثل المادّة كل شيء يمكن الشعور به بحواسّنا , وهي بمفردها أشياء سلبيّة ، تفتقر للحياة وقابلة للتلف

أما القوى النشطة الكامنة وراء كل التغيرات المتبديّة في الكون هي ما يسميه الرواقيون pneuma

و التي تختلط تمامًا بالمادة السلبيّة ، كما أنها غير قابلة للتلف

الفيلسوف الرواقي الشهير : كريسيبوس وصف ال pneuma باعتبارها مركبة اللوجوس و التي تكوّن المادة

pneuma تجلب الحياة إلى الكون

حركة النجوم والكواكب , وجود الحياة , أمواج البحر

كلها أمور تسيّرها pneuma و التي هي مبنية على أساس المبدأ العقلاني اللوجوس

يعتقد الرواقيّون أن كل شيء مُقدّر سلفًا ,

مع ذلك ,لقد قالوا بوجود عدد لا نهائي من الوقائع الأخرى تختلف باختلاف الاختيارات التي نقوم بها

وعليه , تتعدد الطرق التي نختار اتباعها

تلك الدرجة من الجبريّة مشابهة كثيرًا للمنظور الإسلامي و المسيحي

من جهة ، أقدارنا مكتوبة في النجوم

ومن الجهة الأخر , لا زلنا نتمتّع بإرادتنا الحرّة

ليس مفاجئًا أن للرواقيّة تأثير عميق على المسيحيّة

وأيضًا تتفق مع الإسلام في العديد من الأمور في نفس الوقت

كما أن الطاوية و البوذية مماثلتان للرواقيّة من عدة مناحي

هذا كل ما لديّ , شكرًا للمشاهدة

"قناة الوحيد"