88

دمج الظّل الخبيث في حياتك , كارل يونغ

انتهي شهر نوفمبر من العام 2019 , وقد حان موعد الأسئلة و الإجابات

كما تعلمون , تلك هي النسخة العامّة من الأسئلة و الإجابات

توجد نسخة من patreon لمن يريد دعم أعمالي

في تلك النسخة العامة , سأتناول أحد مفاهيم كارل يونغ السيكولوجية , وهو الظّل

بتحديدٍ أكبر , كيفية دمج الظّل الخبيث في الحياة

"دمج الظّل الخبيث"

مبدئيًا , فإن كل شخص لديه جانب خبيث ، حتى أكثر الأشخاص إيجابيّة

كما صرّح العالم النفسي السويسري كارل يونغ , لكلّ شخصٍ ظل

الظّل عبارة عن مجموعة غير واعية من الصفات المذمومة

و التي قد يكون لها آثارًا إيجابيّة , وتدفعنا للإبداع , مثل الطاقة التي يشعر بها المرء لو قام أفراد العائلة باحتقاره

لقد أصدرت فيديوهات متفرّقة عن الظّل لو أردتم معرفة المزيد

عثرت في قسم التعليقات على سؤال من "كيلاب" يسأل عن كيفية دمج الظلّ الخبيث

اقتباس , " أؤمن بشدة أن ظلّي خبيث , أو حتى شيطاني , لم يجب علي دمجه في حياتي؟

أنظر إليه باعتباره شيء منفصلُ عنّي وخارج عن السيطرة ولطالما وددت استئصاله من وجودي

كل ما يفعله , هو جعل حياتي أصعب مما يفترض أن تكون عليه " نهاية الاقتباس

تكمن فكرة الظّل أنّ الشخص يقوم بكبت الجانب الخبيث من شخصيّته , ذلك الذي قد تعتبره شيطاني

لذا فهو أمر طبيعي

الأمر الإيجابيّ في رأيي , أن تعي بوجوده على الأقل على نحوٍ ما

ما الّذي يدفعك لاعتقاد أن ذلك الظّل شيطانيّ ؟

ما هي صفاته المذمومة التي تُقِرّ بوجودها ؟ هل تراها في أحلامك؟

هل تسقط تلك الصفات على أناسٍ آخرين يمثلون الأمور التي تقمعها دون وعي؟

وِفقًا لكارل يونغ , فإنّ الأحلام و الإسقاطات , إنما هي أصداء للظّل

يتجلّى في الأحلام على شكل رموزٍ أو مجازات

وتنشأ الإسقاطات عندما نرى في الآخرين ما ننكر وجوده في أنفسنا

على سبيل المثال , لو كنّا نتعامل بعدوانيّة حيال المثليّة الجنسيّة

كحال "frank fitts" في فيلم "American beauty" ,

فقد تكون تلك علامة على كبتنا للميل للمثليّة الجنسية في أنفسنا

نفس الحال مع من يعارض بشدة الشخص النشط جنسيًّا أو حتى متعدد العلاقات ,

و الذي قد يرجع لكبت ذلك الشخص المعارض رغبات جنسيّة أو إحباطٍ ما

غالبًا ما يكون الظّل خارج عن السيطرة لأنه يعمل دون وعيٍ منا

إلا لو أنك تمكنت من الوعي به , و هو ما يهدف إليه عمل الظّل

وِفقًا لنظرية يونغ , لا يجب أن تقوم بكبت ذلك الظّل

يقترح بدلًا من ذلك , أن تدمجه معك ليتسنّى لك التحكم به بدلًا من أن يتحكم هو بك

كلما أنكرت ذلك الظل , كلما ازدادت كثافته

قد يكون ذلك نتيجة كبتك لتلك الصفات المذمومة على مدى سنوات

و التي أحيانًا ما تحاول الخروج إلى النّور بصورة مبالغ فيها

قبولك لتلك الصفات مهما كانت سيئة أو شيطانيّة , لا يعني ذلك أن تتصرف وِفقًا لها

بل يعني ذلك , تسليط الضوء عليها في محاولةٍ لفهمها بصورةٍ أفضل

قبول ذلك الظل , يكمن في التخلّي ولو مؤقتًا عن الأعراف المجتمعيّة التي تحدد الخير و الشر

ومن ثمّ , تتقبل أن ذلك الجزء الخبيث جزءٌ من طبيعتك

هل يوجد في الطبيعة جيّد و خبيث ؟

من وجهة نظري , توجد أمور نحن ككائناتٍ حيّة مرتبطين بها بيولوجيًا مثل غريزة البقاء

لنفترض أنك وبطريقةٍ ما اكتشفت في نفسك رغبةً في القتل أو التعذيب ,

و في أوقات فراغك , تتنمر على الناس من خلال الانترنت وتعذّب الحيوانات

يبدو لي أنّه ظلٌ خبيث بشكلٍ كبير

في ضوء نظريّة يونغ , أعتقد أننا يمكننا كبح تلك الرغبات السيّئة وجعلها مجرّد دوافع بدائية للقوة و الموت

نرى في الطبيعة , أن معظم الحيوانات تحركها تلك الدوافع

القط على سبيل المثال , قد يكون حيوان رقيق , لكن هل سبق ورأيته يمسك فأرًا و يلعب به حتى يموت؟

ذلك الجزء من القط قاسٍ جدًا و قاتل

لكننا نتفق جميعًا أن القط لا يكون قطًا إلا بوجود تلكما الجانبين من شخصيّته , الرقة و القتل

نتقبل وجود تلك الصفات في الحيوانات , لكننا نواجه صعوبة كبيرة في تقبل وجودها في البشر

بالطبع لدينا أعراف و معتقدات وغيرها لنتمكن من التعايش بشكلٍ أفضل , فتلك هي المبادئ الأساسيّة للتحضّر

لكن التضحيّة التي نقدمها كبشر , إخفاؤنا لجانبنا الخبيث

المكوّن من الصفات التي يرفضها المجتمع فقط لنتمكن من العيش فيه

وبهذا نرتدي قناع أو ما يسمّى "The persona"

" لا يوجد نورٌ بلا ظل , ولا كيان كامل بدون نقصان " كارل يونغ

الظلّ عبارة عن جزء من شخصيتك , وإنكارك له يعني إنكارك لنفسك

السؤال , كيف يمكنك إدماج ذلك الظل الخبيث في حياتك؟

عليك أن تبدأفي الوعي به , وتتقبل أن ذلك الشر و الجنون هو جزءٌ منك

و أنه من الأفضل لك أن تعرفه بدلًا من ألا تعي بوجوده

إليكم ما كتبه كارل يونغ عن الظل في "الكتاب الأحمر" ,

و الذي يمثل منظوره الشخصي لتجربته المتخَيّلة خلال فترة من المواجهة المقصودة للاوعي

اقتباس , " ابق هادئًا واستمع , هل أدركت جنونك وهل تعترف به؟

هل لاحظت أن قوامك متورّطٌ تمامًا في ذلك الجنون ؟

هل تريد التعرّف على جنونك و الترحيب به بشكلٍ وديّ؟

لو أردت أن تتقبل كل شيء , فعليك أن تتقبل ذلك الجنون أيضًا

فلتسمح لجنونك بالإشراق و ستجد أنه سيضفي عليك نورًا

لا ينبغي احتقار الجنون ولا الخوف منه , بل يجب أن تمنحه الحياة

لو أردت إيجاد الطريق فلا ينبغي أن تستبعد الجنون لأنه جزءٌ عظيم من طبيعتك

ابتهج لكونك مدركٌ لوجوده فذلك معناه أنك ستتجنب الوقع في براثنه

الجنون جزءٌ متميّز من الرّوح و متعلّق بكل التعاليم و الفلسفات

لكن أكثر من الحياة اليوميّة , تمتلئ الحياة بالجنون لكن في القاع نجدها منطقيّة

يجاهد الإنسان لبلوغ المنطق , فبهذه الطريقة سيتسنّى له التحكم في نفسه

الحياة بحد ذاتها ليس لها قواعد

ذلك هو لغزها وقانونها المجهول

ما تسميه معرفة, هو محاولة لإيجاد شيء مفهوم في الحياة " نهاية الاقتباس

قد تجد الجنون خلال فترات استكشافك لنفسك , واستخدام وسائل مثل المخيلة النشطة و تفسير الأحلام ,

تعتبر أمور مشتتة لا يمكن دمجها في نشاطاتنا اليومية

لكن دمجه لا يعني أن نتصرف وفقًا له

أول أمر , يوجد جانبٌ طاقيّ مرتبطٌ بتلك الصفات المذمومة

ما يعني أنه قد ينبغي الحصول عليها لنحقق أهدافنا

فهي قد تُغذّي منافذنا الإبداعيّة و أيضًا تماريننا الرياضيّة

أفضل مثال على ذلك , ديفيد جوجنز ,

الذي يعتبر أقوى رجل في العالم و له انجازات رياضية مذهلة

الذي حقق أرقامًا قياسيّة في لعبة العقلة ,كما مارس الجري في العديدمن الماراثونات والمسابقات الرياضيّة ثلاثيّة الألعاب

كما واجه العديد من العقبات مثل الربو و السّمنة و صعوبات التعلّم وغيرها

كما أتمّ تدريبه في البحريّة في الثلاثينات من عمره , متحديّا كل الصّعاب

أكثر جزء مثير في قصته من وجهة نظري , أن أباه أساء معاملته في طفولته كما أنه تعرّض للتنمر في المدرسة

حياته المبكرة كانت مليئة بالعنف , مما تسبب في وجود كمٍّ هائل من الغضب و الأسى

في أعماق ذلك الشخص الجبان المهموم البدين المتلعثم

عندما قرر أن يغيّر مجرى حياته ,تمكّن من توجيه غضبه و خوفه لمساعدته على تحقيق انجازاتٍ فائقة

قال جوجنز ," يُعَد الإنكار منطقة الأمان المطلقة"

و أعتقد أن ذلك صحيح بالنسبة لشخصية الظّل

مثل البقاء في منطقة الأمان و إنكار وجود الظّل وعدم الرغبة في رؤية الجانب الخبيث من شخصيّة أحدنا,

لن يؤدي إلّا لتفاقم المشكلة لاحقًا

دمج الظّل في حياتنا , يكون باعترافنا بوجوده

للاستفادة من وعينا بوجوده , مما يمكّننا من التحكم به

تخيل أن تلك الصفات المذمومة بإمكانها أن تمدنا بالبصيرة و تحول مسار الطاقة التي تأتي منها إلى أمور أكثر نفعًا

لو كانت تلك الصفات تتميّز بالعنف , فربما يمكننا توجيهها لأمر مفيد كممارسة رياضة الفنون القتاليّة مثلًا

أنا شخصيًا أعتقد أن الوعي بوجود الظّل وتقبله دون التصرف وفقًا لطبيعته ,

هو مفتاح مواجهتنا لجانبنا الخبيث

لأن الظّل لو كان خارج رادار وعينا , لن نتمكّن من مراقبته

ولن نمسك بزمامه , وبهذا لن نعرف أبدًا متى قد يصُّب شره علينا أنفسنا , أو على العالم

كما قال المعلّم الروحاني إيكارت تول, " ما تتقبل وجوده سيمكنك تخطّيه"

شكرًا للمشاهدة

"قناة الوحيد"

أهلًا بكم جميعًا