28

الحيلة الرواقيّة للتغلّب على القلق Amor Fati

القلق المفرط حيال المستقبل يولّد شعورًا بغيضًا يسمّى القلق

قد تعاني قلقًا قصير المدى خلال يومك بسبب أمرٍ خططت له ليلًا

أو قد تعاني من قلق بعيد المدى بشأن المستقبل و الذي لا يمكنك التحكم به بأي حال من الأحوال

يمارس الرواقيون حيلة للتخلص من ذلك القلق تسمى Amor Fati

"Amor Fati"

وتلك عبارة لاتينيّة تعني أن تحب قدرك

لو تمكّنت من قبول قدرك أيًا كان فسيمنحك ذلك قوّة كبيرة

وهذا ما دعى الفيلسوف الألماني "نيتشه" على الرّغم من رفضه للرواقيّة , للكتابة عن Amor Fati في الاقتباس التالي :

" وصفتي للإنسان لكي يكون عظيمًا , هي Amor Fati وهي عدم رغبة المرء في تغيير اي شيء ,

لا في المستقبل ولا في الماضي و لا أي وقتٍ ابدًا

ليس فقط أن يتحمل ما عليه تحمّله , و اخفاء رغبته بتغييره

-كل المثاليات زائفة في مواجهة الضرورات- لكن أن يحبه " نهاية الاقتباس

لنتخيّل وجود نسختين منك

نسخة قلقة و أخرى رواقيّة

و أنك تعمل في شركة أعلنت مؤخرًا أنها قررت تسريح عن مجموعة من موظفيها بسبب شؤون إعادة التنظيم

ولقد سمعت ذلك الخبر في اليوم الذي تلى زيارتك لطبيبك و الذي أخبرك باحتمالية إصابتك بمرضٍ مزمن

بالإضافة لوجود بعض الاضطرابات في علاقتك مع شريك حياتك

تلك العوائق التي ظهرت في حياتك خطيرة

لدرجة أنّها قد تؤدّي لتغيراتٍ جذريّة في حياتك

تلك التغيّرات هي أكثر ما يثير تخوّف نسختك القلقة

خصوصًا إن العقل البشري يميل للحكم على التغيرات من منطلق منظورين متناقضين

الرغبة و النفور

عندما تأتي التغيرات بما هو موافق لرغباتك فإنك تعتبر ذلك مصدر ابتهاج

الناس في معظم الحالات يفرطون في التفاؤل عندما يكونون بصدد تغيراتٍ جذريًة إيجابيّة كالفوز باليانصيب مثلًا

بعكس ما تأتي التغيّرات بما ينفر منه الناس مثل , فقدان الحبيب أو أن يدخل أحدهم السجن , فغالبًا ما سيرى ذلك مصدر ألمٍ و شقاء

في كلتا الحالتين الحياة ستستمر

أيًا كان ما ستأتي به الرياح فإن عليك التعامل مع أمرٍ واحدٍ

و هو اللحظة الراهنة

من القصة السابقة يمكننا اعتبار أن حياتك أخذت منحىً مكروه بالنسبة إليك

وهنا تأخذ نسختك القلقة في القلق المفرط وتصاب بالأرق

هل سأخسر وظيفتي ؟ و كيف سأتصرّف لو حدث ذلك ؟ وماذا لو أعاقني مرضي المزمن عن إيجاد وظيفة أخرى؟

ماذا لو لم أعد أتمكّن من تسديد رهاني العقاري , ماذا لو فارقني شريك حياتي؟

بعض تلك الأمور يمكنك التحكم فيها و البعض الآخر لا

الواقع أنك في نهاية المطاف لا يمكنك التحكم في المستقبل

وتلك هي مشكلة نسختك القلقة بالتحديد

إنه الهوس بالتحكم , و الذي لا يمكنه التعامل مع انعدام الأمان

ولهذا تبدأ في القلَق لأن العقل القلِق هو من لا يعرف ماذا يخبئ المستقبل لكنه لا يكف عن محاولة اكتشاف ذلك

أما نسختك الرواقيّة فتتصرف على نحوٍ مختلف

نسختك الرواقية تتقبل القدر بكل أريحيّة بغض النظر عن طبيعته

Amor Fati لا تعني أن تبقى متكاسلًا وتترك الحياة تمر وحسب

بل تعني أن تستفيد أقصى استفادة ممكنة من كل لحظة تمر عليك

أن تبذل قصارى جهدك لتحقيق أهدافك

لكن لو أتت الرياح بما لا تشتهي السفن , فعليك تقبّل قدرك بكل أريحيّة

لو احتفظت بوظيفتك فهذا أمرٌ رائع , لو تمّ تسريحك فلتحاول أن تنظر للجانب الإيجابي قدر استطاعتك

من يعلم أيّة فرص قد تسنح لك

لو اكتشفت أن صحتك جيدة فهذا رائع , ولو تأكدت إصابتك بمرضٍ مزمن , فلتحاول إيجاد جانب إيجابي

ألن يشكّل جعلك لحياتك قيمة بغض النظر عن مرضك تحديًا كبيرًا؟

العديد من الناس تمكنوا من فعل ذلك و هم يمثلون مصدر إلهام للبشرية

لو أن شريكك بقي إلى جانبك , فهذا رائع , ولو فارقك فاعتبر ذلك تحررًا

يمكنك حينها التركيز على نفسك وتجربة أمورٍ مثل النضوج الشخصي , والغوص في أعماق نفسك وسبر أغوارها

و متعة الانعزال

ومن يعلم , قد تقابل في طريقك شخصًا أفضل

Amor Fati تضعك في موقف يستحيل معه أن تخسر

وبذلك لن تدع فرصة للقلق لأن يبدد طاقة حياتك و يجعلك بائسًا

وعندما يستحيل أن تخسر , فليس هناك من شيءٍ للقلق بشأنه

تقبّل قدرك أيًا كان ولن يكون هناك ما تخشاه

وتلك هي الحيلة الرواقية للتغلّب على القلق

الشمس ساطعة , استمتع بحياتك

شكرًا للمشاهدة

"قناة الوحيد"