28

الأزمة أدت لنمو قوى اقتصادية عظمى جديدة

بالرغم من أن الصين أعادت فتح مصانعها واستعاد العمل نشاطه, إلا أن الوضع لن يعود كما كان في السابق

بغض النظر عن كون الصين الوجهة الاقتصادية المفضلة على مدى الأربع أعوام السابقات,

إلا أن الاقتصاد العالمي تحول بشدة نحو أماكن قد لا تتوقعها

لقد بدأنا بالفعل في ملاحظة نهوض بعض الأمم حول العالم وبدأت في سحب سجادة براعة الصناعة من تحت الصين

ومن يعلم , قد نكون نشهد ميلاد الجيل الجديد من القوة الاقتصادية العظمى في القريب العاجل

لكن السبب الذي أدى لذلك معقد قليلًا

بدأ الأمر في العقود القليلة الماضية من عمر الصين ,

تحديدًا , حينما بدأت الصين في نغيير سياستها الاقتصادية من الاشتراكية الى الرأسمالية

ثم أخذت على عاتقها بناء بؤر اقتصادية مدعمة بموانئ ضخمة ومصانع عديدة مما ساعد على زيادة انتاجيتها وفاعليتها

وبمجرد فتح تلك البؤر الصناعية للتجارة الخارجية و الاستثمار الاجنبي , أخذ الاقتصاد الصيني في النمو السريع

وفي ثمانينيات القرن الماضي , كانت هناك حوالي 500 شركة ,تصنع منتجاتها في الصين

وذلك لقدرتها على تصنيع تلك المنتجات بجودة عالية وبثمن أقل من الغرب

ويرجع ذلك لانخفاض أجور العمالة الصينية إضافةً إلى بعض العوامل الأخرى كقوانين الضرائب و كفاءة عملية الاستيراد والتصدير

لذا و على حين فجأة , لو قرر أحد منافسي اشركة ما تصنيع منتجاتها خارج الصين ,

فلن يتسنى لهم منافسة السعر وقد يؤدي ذلك لخروجهم من سوق العمل

وهكذا , بدأت الصين في تصنيع كل شيء

وبحلول عام 2010 , كان ثلث منتجات العالم مصنع في الصين

وفي غضون 50 عام , تحولت الصين من أمة من المزارعين الفقراء , الى ثاني أكبر قوة اقتصادية في العالم بعد الولايات المتحدة

بالرغم من هذا النجاح الساحق , إلا أنه جرت بعض الأحداث الغريبة على مدى السنوات القلائل الماضيات

فكروا في هذا السؤال , ماذا يحدث لو أن الدولة التي بنت صرحها الاقتصادي على أساس العمالة الرخيصة أصبحت فجأة فاحشة الثراء؟

إليكم ماذا حدث للصين

بلغ متوسط أجر العامل الصيني في عام 1990 حوالي 150دولار أمريكي

وفي عام 2005 , بلغ 2800$ , وعام 2015 بلغ 8900$

وبلغ متوسط أجر العامل الصيني هذا العام حوالي 13500 $

تلك زيادة رهيبة , حيث ازداد أجر العامل الصيني بمقدار 8500% على مدى السنوات القليلة الماضية

ما ترجم ذلك بزيادة في تكلفة المنتجات المصنوعة في الصين

لم يعد في استطاعة الشركات تصنيع منتجاتهم في الصين مع خصم 80% كما جرت العادة

وأدى ذلك لتراجع الصناعة الصينية في عام 2016 , ولأول مرة في تاريخ الصين الحديث ,قلت انتاجيتها بمقدار 2%

لكن نجاح الاقتصاد الصيني كان فقط العامل الأول الذي نأخذه في حسباننا عندما نتناول الحديث عن قلة الانتاجية الصناعية

بعد عام 2016 انتعشت الانتاجية الصناعية في الصين مجددًا ,حتى فرضت الولايات المتحدة تعريفات جمركية على المنتجات الواردة من الصين

ما أدى إلى تقليل الواردات الصينية لأمريكا بمقدار 7% عام 2019 , و أجبر العديد من الشركات على البحث عن دول أخرى تصنع منتجاتها

ولو لم يكن ذلك كافيًا , فإن التوترات بين الصين و العالم الغربي تصاعدت بعد أن استحوذت على القطاع التكنولوجي العالمي

ومنذ ذلك الحين , تعمل الحكومات في أنحاء العالم على طرد التكنولوجيا الصينية من بلادهم

تزامنًا مع تدعيم صناعة المنتجات محليًا بدلًا من الصين

وفي الأسبوع الماضي , طلبت وزارة العدل الأمريكية من لجنة الاتصالات الفيدرالية إنهاء ترخيص عمل شركة الاتصالات الصينية في الولايات المتحدة

ووصفتها بالخطورة على الأمن القومي

وكل ما أتيت على ذكره منذ قليل من أول زيادة أجور العمال مرورًا بالشئون الجيوسياسية و كذلك الجائحة , أدى لما نلاقيه اليوم

لكن على الرغم من تباطؤ نشاط الصناعة الصينية مؤخرًا , إلا أن الصين لازالت أكبر الدول الصناعية في العالم

لذا وبمجرد تفشي الجائحة في مدينة ووهان , وما ترتب عليه من اغلاق القطاع الانتاجي الصيني, بدأت العديد من البضائع الأساسية في النفاذ من عدة دول

ببساطة لأنهم اعتمدوا بشكل أساسي على المنتجات الصينية ولم يكن لديهم بديل

على سبيل المثال , تتصدر الصين العالم في تصنيع المعدات الطبية

لذا , عندما احتاج العالم المزيد من الأقنعة الطبية و أجهزة التنفس الصناعي و القفازات الطبية , لم يعد يستطيع الحصول عليهم من المورد المعتاد

كما تأتى الصين في المركز الثاني عالميًا في صناعة العقاقير الطبية و المستلزمات الدوائية

لذلك واجهت العديد من الدول نقص في العقاقير الطبية بعد تفشي الجائحة , طبقًا لتقرير إدارة التغذية و العقاقير

ولم يقتصر ذلك العجز على المجال الطبي , بل امتد ليشمل كل المجالات الصناعية

فجأة , عانت الأعمال الصغيرة التكنلوجية أو المتعلقة بالموضة أو غير ذلك ,من تأخير بمقدار شهر أو اثنين للحصول على المخزون الكافي لها

وكانت تلك بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير و أدت لأن يغير العالم من استراتيجيته الصناعية

أدركت العديد من الشركات أنها خاطرت بوضع الكثير من البيض في سلة واحدة , و اعتمدت أعمالها على بلد واحد

وهكذا بدأنا في ملاحظة التغيير

أعلنت اليابان في الأسبوع الماضي عن تخصيص2.2 بليون $ كمكافأة من أجل تحويل اعتمادهم على الصين لتسيير شئونها الصناعية الى اليابان عوضًا عنها

الى جانب تنويعها في الاعتماد على باقي الدول الأسيوية

وأفاد تقرير حديث صدر من طوكيو , أنه هناك 37 % من اجمالي 2600 شركة قررت سحب تصنيع منتجاتها من الصين

ما ينقلنا للسؤال التالي,

بما أن القطاع الصناعي الصيني أخذ في الانكماش , و اتجهت الشركات لدول أخرى لتلبية متطلباتها,

من في رأيكم سيكون المستفيد الأكبر من ذلك التحول؟

تأتي على قائمة المستفيدين , دولة أسيوية أخرى شهدت نمو اقتصادي على مدى العقود القليلة المنصرمة

عام 2000 ,عانت فيتنام من فقع مدقع تفشى في سكانها البالغ تعدادهم 100 مليون نسمة

بلغ نصيب الفرد من اجمالي الناتج المحلي في فيتنام 390 دولار

لكن بعد ذلك تغير وضعها بالكامل

بعدما اعتبرت الصين سكانها ثروة بشرية عام 2000,

بدأت بعض الشركات مثل NIKE في بناء مصانع في فيتنام , لأنها أصبحت أرخص بشكل كبير مقارنةً بالصين

وفي العقود التالية , حذت العديد من الشركات حذوها

وهكذا , كما تزايدت ثروة الصين عام 2010 , أخذ القطاع الصناعي الفيتنامي في النمو

تعتبر فيتنام اليوم دولة متوسطة الدخل , يصل نصيب الفرد من اجمالي الناتج المحلي 3000 $

هذا مع الأخذ في الاعتبار أن ذلك التحول من الفقر المدقع الى الدخل المتوسط حدث في غضون 20 عامًا

ما يعتبر أسرع نمو اقتصادي في التاريخ

ولو استمر النمو بهذه الوتيرة , قد تتفوق فيتنام على دول مثل الامارات,سنغافورة , إيران وحتى هونج كونج في قوتها الاقتصادية في خلال بضع عقود

تأتي في المرتبة الثانية من الدول المستفيدة من انكماش النشاط الصناعي الصيني , المكسيك

هناك توقع أن المكسيك ستحصل على 12-19 بليون دولار في السنة جراء إعادة توجيه الصناعة الصينية في المستقبل القريب

وفي الواقع , هناك دراسة أجريت على 160 من التنفيذيين طبقًا لقانون foley & lardner

اقترحت أنه حوالي ثلثي الشركات الكبرى بالولايات المتحدة تخطط لسحب جزء من فواعدهم الصناعية من الصين

ووضعها في المكسيك في غضون عامين

لا نعلم عدد الشركات التي ستنفذ تلك الخطة

لكن توجد العديد من الدراسات التي تؤكد أن المكسيك في طريقها لتصبح أكبر محور اقتصادي في العالم

على سبيل المثال , عام 2017 ازداد واردات المكسيك للولايات المتحدة بمقدار 14% ما يعادل 320 بليون$

مع الأخذ في الاعتبار أن تلك النسبة تمثل فقط42% من واردات الصين للولايات المتحدة

الفرق لا يزال كبيرًا لكنه يتقلص عام بعد الآخر

دولة أخرى تنضم الى ركب الدول المستفيدة , وهي ,

الهند

تعداد الهند يماثل تعداد الصين حيث يبلغ 1.3 بليون نسمة , لكن الفرق أن الهند أمة زراعية

وبنيتها التحتية فقيرة

معظم العمال الهنود لايزالون يعملون بالقطاع الزراعي

مقارنة بعمل 5% فقط من الأمريكان بالزراعة

بغض النظر , منذ عام 2002 , لوحظ نمو في الاقتصاد الهندي ,وازداد نصيب الفرد من اجمالي الناتج المحلي من 470$

ليبلغ 2100 في عام 2020

ونجم عن ذلك النمو الاقتصادي , القضاء على الفقر على مدى 18 عام الأخيرة

مع ملاحظة, بعكس فيتنام , لم ينتج النمو الاقتصادي الهندي عن القطاع الصناعي

بل نتج عن الصناعة القائمة على الخدمات كالتجزئة المصرفية و تكنولوجيا المعلومات

باستثناء احدى التجارب الاقتصادية التي تم تفعيلها عام 2014

وهي صناعة التليفونات المحمولة

في بداية عام 2014 , بدأت الهند في انتاج نحو 10 مليون تليفون محمول في العام

لكن بنهاية 2019 , أصبحت الهند تنتج 150 مليون تليفون محمول في العام

وسرعان ما أصبحت ثاني أكبر دولة مصنعة للتليفونات المحمولة في العالم

وبالرغم من تلك القفزة الهائلة في صناعة التليفونات المحمولة ,

لكن البنية التحتية الهندية لازالت غير مؤهلة لكي تصبح الهند في مكانة الصين الحالية

لكن بجود استثمارات كبيرة من بعض الشركات مثل شركة Apple و التي بدأت تصنيع I Phoneفي مدينة شيناي,

قد نجدتوسعات هائلة في القطاع الصناعي خلال المستقبل القريب

بمعونة بعض المميزات التي تتمتع بها الهند , كوفرة العمال الشباب مع انخفاض تكلفتهم

يباغ متوسط أجر العامل الصناعي الهندي في الوقت الحالي , 5$ في اليوم

في حين يبلغ متوسط أجر العامل الصناعي الصيني 28 $ يوميًا

ما شكل عامل لجذب العديد من الشركات لأخذ المخاطرة و تصنيع منتجاتهم في الهند

حتى ولو شكلت البنية التحتية هناك بعض المشاكل

فلو عملت الهند على تطوير بنيتها التحتية و استفادت من الصناعة كما فعلت الصين في التسعينات

فقد نرى الهند تصبح ثالث أكبر قوة اقتصادية في العالم بعد الولايات المتحدة و الصين

لكن هذا تحدٍ كبير

حتى لو استفادت بعض الدول من تراجع الصناعات الصينية ,

فإن ذلك لا يعني أن الصين ستتخلى عن مكانتها الصناعية العالمية بسهولة في المستقبل القريب

قد تفصلنا حوالي 20 عامًا عن تفوق احدى الدول على الصين في الانتاج الصناعي

وهنا يرد سؤال , لو أن دولة كفيتنام , الهند, والمكسيك احتلت مكانة الصين وحصلت على مثل ثروتها عام 2010,

فماذا سيكون المجال الصناعي الذي ستخوضه أي من تلك الدول؟

يتوقع البعض تقدم مجال الذكاء الاصطناعي و الروبوتكس في غضون 50 عامًا

والعديد من المنتجات سوف تنتج محليًا في كل دولة على حدة

لكن لو أن ذلك لم يحدث خلال النصف قرن القادم ,

ستكون هناك قارة بأكملها , وبتعدادها السكاني الكبير وعمالتها الرخيصة,

و التي بدت على أنها ساحة معركة بين الولايات المتحدة و الصين

وسنتناول اقتصاد أفريقيا في مرة أخرى

أود أن أسألكم يا رفاقي , ماذا سيحدث في رأيكم في القطاع العالمي الصناعي خلال السنوات المقبلة ؟

هل تظنون أن الصين ستعاني من الانكماش الاقتصادي ؟ ومن في رايكم ستكون القوة الاقتصادية العظمي عالميًا؟

أخبروني برأيكم في التعليقات

لو أعجبكم هذا الفيديو , تفقدوا قائمة أفلامي الوثائقية , ستجدون فيديوهات من هذا النوع

بانتظاركم لمشاهدتها

فضلًا اضغطوا على زر الاشتراك و زر الاعجاب لو أعجبكم هذا الفيديو

على أي حال , أراكم بعد ثوني